سعيد حوي
1490
الأساس في التفسير
الأول يذكر اللّه - عزّ وجل - ما حرم علينا : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . ويأتي في هذا المقطع ذكر ما حرّمه الناس ولم يحرمه اللّه . ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ . وفي المقطع الأول يأتي قوله تعالى : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ويأتي في هذا المقطع قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ . وفي المقطع الأول يأتي قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا . ويختم هذا المقطع بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ . . فههنا فقرة عن إقامة الشهادة في حالة من الحالات . فما بين المقطع الأول ، والمقطع الأخير صلات واضحة ، وما بين المقاطع التي ذكرت في الوسط ، والمقطع الأول والأخير صلات واضحة كذلك ، فالسورة لها سياقها الخاص ، ومع ذلك فإنها تفصّل في محورها من سورة البقرة لتأخذ محلها في بناء صرح المعاني القرآنية على تسلسل معيّن ، ونسق معيّن . ولعل في الكلمة الأخيرة عن السورة ما يزيد هذا الأمر بيانا ، فلنبدأ عرض معاني المقطع : المعنى العام للمقطع : يبدأ هذا المقطع بالنهي عن تحريم ما أحل اللّه بالسير في غير سنة المسلمين في أمر النّساء ، أو الطعام ، أو الشّراب ، أو اللباس ، أو العادات ، أو غير ذلك . وكما نهى عن تحريم الحلال ، فقد نهى عن الاعتداء ، لأن اللّه لا يحب أهله . والاعتداء في هذا المقام يحتمل التضييق على الأنفس بتحريم المباحات ، أو تعذيب الجسد . ويحتمل الإسراف في تناول الحلال ، فيكون طلبا بالأخذ من الحلال بقدر الكفاية والحاجة ، إذ دين اللّه عدل بين الغالي فيه والجافي عنه ، لا إفراط ولا تفريط . ثم أمر اللّه - عزّ وجل - بالأكل من الحلال الطيّب ، كما أمر بالتقوى في جميع الأمور باتّباع طاعته ورضوانه ، وترك مخالفته وعصيانه . إذ مقتضى الإيمان باللّه أن يتّقى . رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء ، وهي من هذه الحيثيّة تكمّل بناء التقوى ، وتدلّ على طريقها ، وهي في الوقت نفسه تحرير للإنسان من كل الصفّات التي يضل بسببها أصحابها ، فهي تخلية وتحلية .